محمد هادي معرفة
24
صيانة القرآن من التحريف
التحريف بالمعنى ، وكانت جرأتهم على هذا التصرّف في تفسير البشارات هي التي مكّنتهم من مقابلة النبي صلّى اللّه عليه واله بالإنكار والجحود . وقال الزمخشري : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » « 1 » أي يميلونه عنها « 2 » واللفظ إذا لم يفسّر وفق ظاهره أو بحسب القرائن فقد أميل عن موضعه . والخلاصة : كان تحريف العهدين الذي أشار إليه القرآن إمّا بسوء التأويل - أي التصرّف في تفسيرهما بغير الحقّ ، من غير أن يمسّوا يدا إلى لفظ الكتاب - أو مع تغيير في لهجة التعبير عند النطق بالكتاب ، كما قال تعالى : « وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . « 3 » لأنّ اللفظ إذا لهج به على غير لهجته الأولى لم يكن نفسه وإنّما هو غيره ، وإنّما كانوا يعمدون إلى ذلك ذريعة لكتمان الحقيقة وإخفاء البشائر بمقدم نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه واله . أمّا التحريف بمعنى الزيادة أو النقصان أو تبديل الكلم إلى كلمات غيرها - الذي هو معنى اصطلاحي - فلم يعهد استعماله في القرآن ، حسبما عرفت . مزعومة نسخ التلاوة هناك مزعومة لهج بها كثير من أصحاب الحديث وجماعة من اصوليّ العامّة ، حاولوا معالجة ما صحّ لديهم من روايات تنمّ عن ضياع كثير من آي القرآن ، فحاولوا توجيهها بأسلوب مختلق ، قالوا : إنّها من منسوخ التلاوة ، ولو فرض الحكم باقيا مع الأبد . كما في آية « الرضعات العشر » وآية « رجم الشيخ والشيخة » وآية « لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب » وغيرهنّ كثير ، حسبوها آيات قرآنية ، كانت تتلى على عهده صلّى اللّه عليه واله ، لكنّها رفعت فيما بعد ونسيت عن الصدور ، وإن بقي حكمها واجب العمل أبدا . وبهذا الأسلوب الغريب
--> ( 1 ) - النساء 4 : 46 والمائدة 5 : 13 . ( 2 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 633 . ( 3 ) - آل عمران 3 : 78 .